أبو الليث السمرقندي
413
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ يعني : عنده إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ في الشفاعة ، وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يعني : إذا قال بإخلاص القلب لا إله إلا اللّه في الدنيا يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة وَما خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا ، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ؛ يعني : لا يدركون علم اللّه تعالى . وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ؛ قال قتادة رحمه اللّه : ذلّت الوجوه لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ؛ وقال القتبي رحمه اللّه : أصله من عنته أي : حبسته ، ومنه قيل للأسير : عان . وقال الزجاج رحمه اللّه : عنت ، أي خضعت ، يقال : عنا يعنو ، أي خضع وَقَدْ خابَ يعني : خسر مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ، يعني : شركا . ثم قال : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ، يعني : من يعمل من الطاعات وَمَنْ للصّلة والزينة . وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعمل وهو مؤمن مع عمله ، لأن العمل لا يقبل بغير إيمان ، فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ؛ قال قتادة : ظُلْماً أي : لا يزداد في سيئاته ولا ينقص من حسناته أي : لا يهضم . قال السدي رحمه اللّه : الظلم أن يؤخذ لما لم يعمل ، والهضم : النقصان من حقه . قال القتبي : ومنه قيل هضيم الكشحين ، أي : ضامر الجنبين ، وهضمني الطعام : أي أمرأني ويهضمني حقي . قرأ ابن كثير : فلا يخف ظلما على معنى النهي ، وقرأ الباقون فَلا يَخافُ على معنى الخبر . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 113 إلى 114 ] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) ثم قال عز وجل : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، يعني : هكذا أنزلنا عليك جبريل ، ليقرأ عليك القرآن على لغة العرب وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ يعني : بينّا في القرآن من أخبار الأمم الماضية وما أصابهم بذنوبهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني : لكي يتقوا الشرك أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ، يعني : يحدث الوعيد بهذا القرآن أو هذا القرآن لهم اعتبارا فيذكر به عذاب اللّه للأمم فيعتبروا ، وهذا قول مقاتل ، ويقال : أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي يحدّد الوعيد بذكر القرآن العذاب فيزجرهم عن المعاصي ، ويقال : أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ، أي شرفا ، والذكر : الشرف . ثم قال عز وجل : فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، يعني : ارتفع وتعظّم عن الشريك والولد الْمَلِكُ الْحَقُّ أهل الربوبية . ويقال : فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، يعني : ارتفع وتعظم من أن يزيد في سيئات أحد وينقص من حسناته الْمَلِكُ الْحَقُّ الذي يعدل بين الخلق . ثمّ قال : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ، وذلك أن جبريل عليه السلام كان إذا قرأ القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان يتعجل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقراءته قبل أن يتمّ جبريل عليه السلام تلاوته مخافة أن لا يحفظ ، فنزل : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أن يفرغ جبريل عليه السلام قراءته ، فيكون في الآية تعليم حفظ الأدب ، وهو الاستماع إلى من يتعلم منه ، وهذا